![]() |
|
|
|
|
#1 |
|
مشرف عام المجالس
|
الشاعر المصري بشير عياد وإهداء للمجالس الينبعاوية
بالصدفة تصفحت مدونة الأديب والشاعر المصري بشير عياد التابعة لموقع مكتوب على هذا الرابط
يـاذا المُخَوِّفَنَــا بِمَقْتََل شَيْخِـــهِ=حُجْـرٍ ، تَمَنِّيَ صَاحِبِ الأحْلاَمِ لا تَبْكِنَـا سَفَهًـا ولا ســاداتِنـا =واجْعَلْ بُكَاءَكَ لابْنِ أُمِّ قَطَـــامِ حُجْرٍ ، غَدَاةَ تَعَاوَرَتْهُ رماحُنَـا=بالقـاعٍ بينَ صَفـاصِـفٍ وإِكَـامِ حتَّى خَطَرْنَ بِهِ وَهُنَّ شَوارِعٌ=مــن بينِ مُقْتَصِـدٍ وآخَـرَ دَامِ يتهكم على امرئ القيس ويصف تهديده لهم وتوعده إياهم بالأحلام والأماني وكلها تضليل في تضليل ، و يطالبه بأن يبكي أباه حُجرًا ( ابن قطام ) ، و يعاود تذكيره بواقعة قتلهم أباه وكيف كانت رماحهم تتداوله بالطعن على قاع الأرض الصفصف – المستوية – وبين الإكام - ما ارتفع من الأرض - ولم يتركوه إلا قتيلا ممزقًا مهانا . ثم يُعَيّر امرأ القيس بإحجام قومه وتراجعهم ، و بالتجائه إلى قيصر ليتحالف معه ضد الأسديين ، و يدعو عليه بأن يهلك بأرض الشام قبل أن يصل إلى قيصر :
لمَّـا رَأَيتَ جُمُـوعَ كِنْـدَةَ أَحْجَمَــتْ=عنَّــا ، وَكِنْــدَةُ غَيْــرُ جِــدِّ كِـرامِ أَزَعَمْتَ أنَّكَ سوفَ تأتي قيصرًا؟!=فَلْتَهْلِكَــنَّ إِذًا وَأَنْــتَ شَــــآمـــي وفي نهاية الموقف يوجه إليه إحدى رسائله مؤكدًا أنهم لا ينقادون لأحد وليس هناك من يقودهم بل إن الناس يتبعونهم من غير أن يقودوهم :
نأبى على الناسِ المَقَادَةَ كُلِّهِم=حتّى نَقُـودَهُــمُ بغيــرِ زِمَــامِ
كان امرؤ القيس فحلا من فحول الشعر في العصر الجاهلي ، و أجمع الرواة والمؤرخون على وضعه على رأس القائمة أميرًا للشعراء في ذلك العصر الذى بلغ فيه العرب قمة الفصاحة والبلاغة و البيان ، غير أن بني أسد – قاتلي أبيه الملك حجر - قد وضعوا حدًّا بين لهوه وجدِّه واختطفوه من دوامات اللهو ليقول قولته الشهيرة : " اليومَ خمر ، و غدا أمر " ، ولم تكن إفاقته إلا إيذانا بدخوله طريق النهاية حيث كدّ في طلب ثأر أبيه فقاده ذلك المسعى إلى حتفه . ظلّ عَبيدُ بن الأبرص ، الشاعر الفارس ، لسان حال بني أسد أو " وزارة إعلامهم " يقاتل معهم ويخوض الأهوال ، و عندما " تضع الحرب أوزارها " يسجّل انتصاراتهم في شعره ، ويفتخر بها على الأقوام معددا بطولات قومه ، و لم يكن في سجل بنى أسد أعظم من انقلابهم على الملك حجر وقتله ، يعاود عَبيد وصف ما فعلوه بامرئ القيس بقتلهم أباه :
سَقيْنا امْرَأَ القَيْسِ بْنِ حُجْرِ بْنِ حَارثٍ=كــؤوسَ الشَّجَــا حتّى تعــوَّدَ بالقَهْـرِ وأَلْهَــاهُ شُــرْبٌ نَــاعِــمٌ وقُــراقِــرٌ =وأَعْيَــاهُ ثـأرٌ كـانَ يطلُـبُ في حُجْــرِ وَذَاكَ لَعَمـْرِي كـانَ أسْهَـلَ مَشْـرَعًـا=عليهِ مـن البِيْضِ الصَّـوَارمِ والسُّمْـرِ " القُراقر : الحادي الحسن الصوت " يقول : لقد سقينا امرأ القيس كؤوس الهم والحزن حتى تعوّد القهر وارتضاه " الباء زائدة في " بالقهر " للضرورة الشعرية " ، و تعوّد اللهو والشراب بعد أن أرهقناه في طلب ثأر أبيه ، والقهر واللهو والشرب هم ملاذه الأخير ، وذاك أسهل عليه من ملاقاتنا . وفي تقريع مو جع يقول عَبيد لامرئ القيس :
أَتُوعِدُ أُسْرَتي وَتَرَكْتَ حُجْرًا=يُرِيغُ سَوَادَ عَيْنَيْهِ الغُـــــراَبُ أَبَوْا دِيْنَ الملوكِ فَهُم لَقَـــاحٌ =إذا نُدِبوا إلى حَرْبٍ أجابــوا فلو أدْرَكْتَ عِلباءَ بنَ قَيْـــسٍ=قَنِعْتَ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيَـــابِ يقول له : أتوعد أسرتي وتهددها ، و تركت أباك قتيلا ينقر الغرابُ عينيه ليأكلهما ، إن قومي - أسرتي - قد لُقّحوا الحرب والشجاعة ، و أنك لو لاقيت عِلباء بن قيس - أحد أبطال بني أسد - لكانت أكبر غنائمك أن تنجو منه . ويُقال إن عَبيدًا قد عُمّر طويلا جعله ابن رشيق في " العمدة " ثلاثمائة سنة ، بينما جاء في مصادر أخرى أنه لم يتجاوز المائة ، غير أن كثيرا من شعره يوحي بأنه عاش طويلا إلى "درجة الملل " ، هذه الرحلة العمرية الطويلة صبغت شعره بطابع الحكمة ، و لم تجعل شعره وقفا على الفخر أو التحدي المتواصل لامرئ القيس كبير الشعراء وزعيمهم في ذلك الوقت . ومن شعره الذي يؤيد امتداد عمره هذه القصيدة التي يعدد فيها الملوك الذين شاهدهم وعاصرهم ، ثم ينهيها ببيت من الحكمة :
وَلَتَـأْتِيَـنْ بَعـدي قـــرونٌ جَمَّــةٌ =تــرعى مَخــارِمَ أيكَـةٍ وَلَـــدودَا فالشّمسُ طالعةٌ ، و ليلٌ كاسِفٌ =والنّجـمُ تجـري أَنْحُسًـا وسُعُُـودَا حتّى يُقـالَ لمـنْ تَعَــرَّقَ دَهْـرَهُ =ياذا الزمانةِ هــلْ رأيتَ عَبِيْدَا ؟ مــائَتَيْ زمــانٍ كــامــلٍ وَنَصِيَّةً=عشريـنَ عشتُ مُعَمَّرًا محمـودَا أدركتُ أوّلَ مُلْكِ نصْْـرٍ نـاشِئًـا =وبنـــاءَ سِنْـــدادٍ وكـــانَ أُبيـــدََا وطلبـتُ ذا القَـرنيـنٍ حتّى فـاتني=ركضًا وَكِدتُ بــأن أرى داؤودا مــا تَبتَغي مِـنْ بَعْـدِ هــذا عيشَةً=إلاَّ الخلــودَ ، و لــن تنالَ خُلودَا وَلَيَفْنَيَنْْ هَــذا وَذَاكَ كِـــلاهمــا =إلاَّ الإِلَـــهَ وَوَجْهَـــهُ المعبـــودَا يقول إنه عاش مائتين وتخطاهما ولا يدري إلى متى ، ثم يؤكد الحقيقة اليقينية التي لا تقبل الشك وهي أنه لن ينال الخلود مهما يطل العمر به وتتعاقب عليه القرون ، و كل شيء سيفنى لا محالة ولا يبقى إلا الإله ووجهه الكريم ، ( مع الوضع في الاعتبار أن عَبيدا مات أو أُعدم قبل مجيء الإسلام ) . ولا تخلو قصيدة أو مقطوعة من شعر عَبيدٍ من بيت أو بيتين من الحكمة ، في فخرة ... أو غزله ... أو وصفه ... لا ينسحب من العمل من دون أن يخط شيئًا من عصارة الدهر الذي عاشه :
صَبِّـرِ النَّفْسَ عِنْــدَ كُــلِّ مُلِــمٍّ=إنَّ في الصبــرِ حِيْلَةَ المُحتالِ لا تَضِيقَــنَّ في الأمــورِ فقــدْ=تُكْشَفُ غُمّّـاؤهـا بغيرِ احْتيالِ رُبَّما تَجْزَعُ النفوسُ منَ الأمرِ=لــهُ فُــرْجَــةٌ كَحَــلِّ العِقَـــالِ وقد كان شعر عَبيد بن الأبرص في غالبيتة شعرًا جافا خشن اللغة وحشي الألفاظ ، و بعض قوافيه عويصة عصية ، و في شعره مالا يمكن فهمه دون اللجوء إلى المعاجم ، و شعره مضطرب - كما وصفه ابن سلام الجُمحي في كتابه " طبقات فحول الشعراء " - وكثير من أوزانه يشوبه الوهن والاضطراب الواضح بالفعل ، ربما كان ذلك لأن الأوزان - في أيامه - لم تكن قد استقرت بعد :
تُلاوِصُ في المَدَاصِ مُلاوِصَاتٌ=لــهُ مَلْصَى دَوَاجِــنَ بِالمِــلاصِ
هذا بيت من قصيدة من حرف الصاد ، لم يكتفِ عبيد بأن يجعل من " الصاد " حرف الرَّوِي فقط بل نثر " صاده " في فضاء النص بشكل مفزع يجعل من لغتنا لغةً جافة ومزعجة ، و من الشعر شيئا لا يطاق :
وَبَاصَ وَلاَصَ مِنْ مَلَصٍ مَلاَصٍ =وحوتُ البحـرِ أسـودُ أو مِــلاصُ
في البيت الأول : " تلاوص : من لاوَصَ ، خَادَعَ ، المداص : المغاص في الماء ، الملصى : المراد هنا السمك ، الدواجن : المؤلفة ، الملاص : من ملصت السمكة من اليد ، أي انسلت وهربت " . وفي البيت الثاني : " باص : هرب واستتر ، لاص : حاد ، ملص : زلق ، مَلاص : زلق أيضا ، مِلاص : أبيض ( في هذا البيت ) " . ويُلاحَظ أنه " أقوى " - من إقواء - في البيت الثاني حيث جاء بكلمة مرفوعة في آخر البيت بينما القصيدة كلها تدور حول الصاد المخفوضة - أي بالكسر - ، و الإقواء : عيب من عيوب القافية يأتي فيه الشاعر بالضم مع الكسر . إلاّ أن الرجل المسكين لم يسلم من لوم السيدة حرمه وتقريعها إياه إذ عيّرته بالشيب والكبر ، فنراه في موقف لا يحُسد عليه خاصة أن المذكورة وجهت له اللوم والعتاب ليلاً :
أَلاَ عَتَبَتْ عَليَّ اليــومَ عِـرْسِـي =وَقَــدْ هبَّــتْ بِلَيْــلٍ تَشْتَكِينـــــي فقالتْ لي : كَبِرْتَ! فَقُلتُ : حَقًّا =لَقَـدْ أَخْلَفْــتُ حِينًــا بعــد حِيــنِ وبعد اعترافه وتسليمه بموقفه الصعب وأنه لم يعد كما كان وأن الأيام لن تعود به إلى الوراء ، يرسم لنا الصورة المؤسفة التي هو عليها وكيف تعامله تلك المواطنة بشكل يدعونا للبكاء ، و يعطينا العظة والعبرة :
تُريني آَيَةَ الإعـراضِ منهـــا =وَفَظَّــتْ في المقـالَــةِ بَعْـدَ لِيْنِ وَمَطَّــتْ حَـــاجِبَيْهــا إذ رَأَتْني=كَبِرْتُ وأنْ قد ابيَضَتْ قــروني فقلتُ لها : رُوَيْدَكَ بَعْضَ عَتْبي=فـــإنّي لا أرى أن تــــزدهيني وعِيشي بالـــذي يُغْنِيكِ ، حتّى=إذا مـــا شِئْتِ أن تنــأَي فَبِيني لملم عبيد بن الأبرص آلامه وأشجانه بعد أن أعربت له السيدة حرمه ذات ليلة عن استيائها منه ومطّت حاجبيها وفظّت في القول ، فوافقها على أن شبابه قد ذهب بالفعل ولن يعود وخيّرها بين أن ترضى به على هذه الحال ، أو أن تبينَ وتبحث عن رجل غيره إذا رأت أن ما عنده لم يعد يكفيها . وراح الشاعر يبكي الديار ويقف على الأطلال يسائلها عن أحبابه الذين تساقطوا وتركوه للعمر الذي طال به و لم يبق معه في رحلته غير الألم :
لمَن الدّيارُ بِبُرقَةِ الرَّوْحَـــانِ ؟=دَرَسَتْ وَغَيَّرهَا صُرُوفُ زَمَانِ فَوَقَفْتُ فيهـــا نــاقتي لِسُؤَالِهَــا=فَصَرَفْـتُ والعَيْنـــانِ تَبْتَــدِرَانِ أيّـــامَ قـومي خيـرُ قـومٍ سُوقَـةً=لمُعَصِِّبٍ ، وَلِبَــائـسٍ وَلِعَــانـي فَخَََلَدْتُ بَعْدََهُمُُ ولستُ بخــالــدٍ=فالـدهـرُ ذو غِيَــرٍ وذو ألــوانِ اللهُ يَعْلَـمُ مــا جَهِلْــتُ بِعَقْبهِِـــمْ=وَتَـذَكُّــرِي مــافـــاتَ أيَّ أوانِ لكن امرأته لا تتركه " في حاله " وتعاود تعييره بالكبر والشيب وتريد مفارقته فيسألها لماذا لم تفارق في سالف الدهر والليالي الخوالي أيام كان شابا قويا يمنحها كل ما تريد ؟ ! :
تلكَ عِرسي تَروْمُ قِدْمًا زيـــالي=أَلِبِيْـــنٍ تــريـــدُ أمْ لِـــدَلالِ ؟! إن يَكُنْ طِبُّكِ الــدّلالَ فَلَـــَوْ في=سـالفِ الدّهرِ والليالي الخوالي أنـــتِ بيضــــاءُ كالمهـــاةِ وإذ=آتيكِ نشــوانَ مُــرْخِيًــا أذْيــالي فـاتـركي مَـطَّ حـاجبيكِ وعِيشي=مَعَنَــا بالــرّجـــاءِ والتَّـــأمــالِ أو يَكُــنْ طِبُّكِ الـــزيــالَ فـــإنَّ=البَيْنَ أن تعطِفي صدورَ الجِمَالِ ويتوقع أن هناك من " لعب" لامرأته في أفكارها أو في"الهارد ديسك" فيطالبها بأن تتمسك بما بقيَ من حيائها وترفض أقوال الوشاة وترضى بماهي فيه لأنها لو تركته فلن تجد خيرا منه :
فارفضي العـاذلينَ وَاقْنَيْ حيــاءً=لا يكـــونـــوا عليكِ حَظّ مَِثَــالي وبِحَــــظٍّ ممــــا نعيــــشُ فــلا=تذهبْ بك التُّرهَاتُ في الأهوالِ مِنْهُـمُ مُمْسِـــكٌ ومنهمْ عَــدِيــمٌ=وبخيــلٌ عليــكِ فــــي بُخَّـــالِ ثم ينتقل بنا عبيد إلى لوحة أخرى فتلوح أطلال سلمى من البعيد البعيد، فيأخذنا إليها في قصيدة أخرى:
تَعَفَّتْ رُسُومٌ من سُلَيْمَى دَكَادكَا=خَلاَءً تُعَفِّيْهَا الرّيَاحُ سَوَاهَِكَــــا
" الدكادك : مفردها دكدك ، و هي الأرض التي فيها غلظ ، و السواهك : مفردها ساهكة ، و هي الريح العاصفة الشديدة " .
|
|
|
|
| أدوات الموضوع | |
| طريقة عرض الموضوع | |
|
|
|
|
![]() |
![]() |